أبي هلال العسكري
373
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الفصل الرابع عشر في التذييل موقع التذييل في الكلام وللتذييل في الكلام موقع جليل ، ومكان شريف خطير ؛ لأن المعنى يزداد به انشراحا والمقصد اتضاحا . وقال بعض البلغاء : للبلاغة ثلاثة مواضع ؛ الإشارة ، والتذييل ، والمساواة . وقد شرحنا الإشارة والمساواة فيما تقدم ؛ فأما التذييل التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه ، حتى يظهر لمن لم يفهمه ، ويتوكد عند من فهمه ، وهو ضدّ الإشارة والتعريض ؛ وينبغي أن يستعمل في المواطن الجامعة ، والمواقف الحافلة ؛ لأن تلك المواطن تجمع البطيء الفهم ، والبعيد الذهن ، والثاقب القريحة ، والجيد الخاطر ، فإذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد توكد عند الذهن اللقن ، وصح للكليل البليد . مثاله من القرآن ومثاله من القرآن قول اللّه عز وجل : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ؛ ومعناه وهل يجازى بمثل هذا الجزاء إلا الكفور . وقوله تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ . وإن كل نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ جميعا تذييل . [ مثاله ] من النثر ومثاله من النثر قول بعضهم : قبول السّعاية شر من السعاية ؛ لأنّ السعاية إخبار ودلالة ، والقبول إنفاذ وإجازة ، وهل الدّال المخبر ، مثل المجيز المنفذ ، فإذا كان كذلك فالحزم أن يمقت الساعي على سعايته إن كان صادقا للؤمه في هتك العورة ، وإضاعة الحرمة ، وأن يجمع له إلى المقت العقوبة إن كان كاذبا ، لجمعه على إضاعة الحرمة ، وهتك العورة ومبارزة الرحمن بقول الزّور واختلاق البهتان . فقوله : « وهل الدال المخبر مثل المجيز المنفذ » تذييل ما تقدم من الكلام .